"الإنسان ابن بيئته"
يحكى أن علي بن الجهم -وكان بدويّا جافياً- قدم على المتوكل، فأنشده قصيدة، قال فيها:
أنت كالكلب في حفاظك للود
وكالتيس في قراع الخطوب
أنت كالدلو لا عدمناك دلواً
من كبار الدلا كثير الذنوب
فَهَمّ من في مجلس المتوكل أن يبطشوا به
لكن الخليفة المتوكل لم يغضب، ولم تصبه الدهشة،
وإنما أدرك بلاغة الشاعر و نُبل مقصده وخشونة لفظه وتعبيره
وذلك لأنه وصف كما رأى، ولعدم المخالطة وملازمة البادية، فأمر له بدار حسنة، على شاطئ دجلة، فيها بستان يتخلله نسيم لطيف، والجسر قريب منه، فأقام ستة أشهر على ذلك، ثم استدعاه الخليفة لينشد، فقال:
عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ
جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري
أَعَدنَ لِيَ الشَوقَ القَديمَ وَلَم أَكُن
سَلَوتُ وَلكِن زِدنَ جَمراً عَلى جَمرِ
سَلِمنَ وَأَسلَمنَ القُلوبَ كَأَنَّما
تُشَكُّ بِأَطرافِ المُثَقَّفَةِ السُمرِ
وَقُلنَ لَنا نَحنُ الأَهِلَّةُ إِنَّما
تُضيءُ لِمَن يَسري بِلَيلٍ وَلا تَقري
فَلا بَذلَ إِلّا ما تَزَوَّدَ ناظِرٌ
وَلا وَصلَ إِلّا بِالخَيالِ الَّذي يَسري
فصاح المتوكل : أوقفوه ، فأنا أخشى أن يذوب رقة و لطافة !
إرسال تعليق